"لو كان لقلبها أن ينطق قبل شفتيها... ماذا كان ليقول وهي لم تتعدَّ السابعة من العمر"؟
مشاركة على

تعلمت كالين كيف تصغي إلى القلوب قبل أن تتعلم لفظ الكلمات الصعبة.
كانت الحرب في الخارج صاخبة جدًا. ذاك الصخب الذي ترتج معه النوافذ وتنحبس له الأنفاس.
وذات ليلة، استهدفت منطقة الجناح من دون سابق إنذار، فتحطم الزجاج وأصيبت والدتها. عندئذٍ، ورغم صخب الأصوات، ساد الصمت الاضطرابي المؤلم.
عندما رأت كالين والدتها لاحقًا، كان رأسها ملفوف بضمادة بيضاء مشدودة، إلا أنها لم تبكِ، ولم تصرخ حتى، بل اقتربت منها وقالت
"ماما... موجوعة؟"
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه والدتها وأجابت: "لأ يا حبيبتي، أنا منيحة".
حدقت بها كالين مطولًا، أكثر مما ينبغي لها كطفلة، وقالت بهدوء: "إي، أنتِ منيحة... ماما. الوجع بقلبك. وهيدا بسببي".
كانت كالين تعلم أن هذه الحرب ترمي بثقلها عليها وعلى عائلتها، حتى أنها كتبت رسالة إلى والدتها تعبِّر فيها عن أسفها لما تمر به.
لم تعرف والدتها ماذا تقول. فكيف تشرح لطفلة أن بعض الألم يكون بلا سبب، وأن بعض المعارك ليست اختيارية؟
كانت كالين تخوض حربها الخاصة قبل وقتٍ طويل من اندلاع الحرب.
في السابعة من عمرها، كانت تعرف كلماتٍ كمثل العلاج الكيميائي، والمناعة، وسرطان الدم، بسبب إصابتها بابيضاض الدم الليمفاوي الحاد، وهو عدو خفيٌّ تغلغل في دمها.
كان من المفترض أن تتحسن حالتها وأن تصبح أقوى، وقد خطط أطباؤها لنقلها من مرحلة العلاج الكيميائي المكثف إلى مرحلة أخف، لتسجل بذلك شبه اإنتصار.
لكن الحرب لا تنتظر الشفاء.
ذاك الضغط النفسي، والخوف، والليالي المليئة بأصوات الصافرات والانفجارات المفاجئة، تحملتها بجسدها الصغير، واستمرت في الابتسام والضحك. لكن مناعتها انخفضت مجددًا، فتأجل انتصارها.
لم يخبرها أحدٌ مباشرةً بأن علاجاتها باقية على حالها، إلا أن كالين فهمت من تلقاء نفسها، كما تفعل دومًا.
كانت كالين خائفة بالطبع، وهي لا تزال في السابعة من عمرها، لكنها لم تُظهر خوفها.
ضحكت بصوتٍ عالٍ، وأطلقت نكاتًا لم يتوقعها أحد، وروت لإخوتها قصصًا طريفة، ورقصت معهم، وشاهدت مباريات كرة القدم، ولعبت... وابتسمت ملوِّحةً للممرضات والأطباء والموظفين.
ذاك لأنها رأت كيف تنظر إليها عائلتها، فاختارت أن تكون قوية من أجلهم، كما كانوا أقوياء من أجلها.
حرصت والدة كالين على ألا تتوقف الحياة. حتى بين زيارات المستشفى وجلسات العلاج، ومع انهيار كل شيء في الخارج، كانت هناك حصص عبر الإنترنت، ودروس قصيرة، ولحظات هادئة من الحياة الطبيعية.
لأن كالين لم تكن مجرد مريضة، بل كانت طفلة. والأطفال يستحقون حياة طبيعية، حتى في قلب الفوضى.
في 21 نيسان ٢٠٢٦، أي بعد عامٍ من تشخيص إصابتها بالسرطان، استيقظت كالين باكرًا.
كانت السماء ملبدةً بالغيوم، والعالم لا يزال يهتز، ولكن في داخلها، كان هناك شيءٌ ثابت.
ليس البقاء على قيد الحياة، ولا المرض، بل المكافحة.
قد لا تكون أقوى القلوب هي تلك التي لا تنفطر، بل تلك التي تستمر في الحب والضحك والنضال، حتى وإن كنتَ لا تتعدى السابعة من العمر.
وبالنسبة إلى كالين، أصبح النضال جزءًا من حياتها اليومية.
إذا لامست قصتها قلبك، استمِدَّ منها بعضًا من قوتها من خلال الأعمال الخيرة، أو الدعم، أو عبر مشاركة قصتها بكل بساطة.
لأن الحب أحيانًا، ولو كان بسيطًا، يُمكن أن يشعرك بالسلام حتى في خضم الحروب.
قد يعجبك ايضا